
ربما لايصدق أحدكم بأن أحدنا قد يتألم بسبب لحظة مر عليها مايقرب من أربعة عقود..
ذات يوم من طفولتي كنت ألهو بالقرب من بعض كبار السن في صالون بيتنا الأول بالحي "لام"،وفي الزاوية يجلس مدللي ومداعبي الدائم العملاق المختار،كان يثرثر والرجال من حوله وجلون ومرتبكون لسبب لمايتضح..يغرف من صحن كبير به طعام كالمهلبية،وضعوا له فيه على غير العادة مكعبات ثلجية،ثم فجأة وقف منتفضا وكأنه ينوي فعل أمر في غاية الخطورة،لم أستكنهه حينها، وفي لمح البصر تهافت الرجال عليه،وبعد عراك قوي أسقطوه بالقرب مني كالجثة الهامدة..وهم يقيدونه بلثام أسود وسط الجلبة الكبيرة وصراخ النساء، كان وجهه في مستوى ألعابي المبعثرة، وهو يتعرق، كان يضحك ساخرا،ويسب، ويتوعد كل واحد باسمه ووسمه بالويل والثبور..وجهه في حاله ذاك تحت قدم كبيرة تثبت العنق، بقي معي حتى هذه اللحظة..جميعهم أقاربي من سود وبيض،وجميعهم كانوا في مهمة شبه مقدسة،لاجماعهم عليها وعدم اعتراض أحد منهم على التصرف،ولهذا ربما لم أكرههم،لكن وجه المختار ولد سمبيرو الحرطاني القوي وهو يدفع بالقوة للانبطاح والرضوخ مازال يؤلمني بعد أربعين سنة تقريبا..المختار جن بصفة رسمية، وأعلن عن جنونه في جميع القرى المجاورة لقريتنا الأم..لاحقا اختفى لسنوات ثم اتضح أنه هاجر الى آل الشيخ سيدي محمد وتتلمذ عليهم وتصوف، ونهل من معين لم يُجن فيه وربما لا أحد فيه يعلم بجنونه،وظل على اتصال بنا،وكان في زياراته للقرى أو لبيتنا في انواكشوط يتقلد سبحة كبيرة جدا،وترتسم بقعة السجود على ذات الجبين الذي عفر أمامي وأنا طفل..جنونه قاده الى عوالم أخرى،لتستقر رحلته على الافراط في العبادة وبخاصة الصلاة والصيام وقراءة القرآن..ثم قبل أعوام من الآن نودي في بلاغ مسائي للاذاعة بأن أحد المصلين توفاه الله ساجدا في المسجد الأبيض ببوحديدة في ركعته الأخيرة من صلاة العشاء..ولم يكن ذلك الرجل الا المختار ولد سمبيرو،الفتى الطيب الذي حملني طفلا ودللني،ثم عومل أمامي بقسوة لم أفهمها وربما لن أفهمها أبدا فقد آذتني وأحزنتني ومازلت أتذكرها بتفاصيلها،نظرات تبحث عن جواب،وريق يسيل على الخد،وبه حبات أرز،وقطرات حليب،ثم جسد كبير مستسلم لقوة الجمع..تذكرته للتو رحمه الله فحزنت وشردت ومبعث حزني هو كوني لم أكن قادرا على حمايته منهم أو من الجنون، لكنني فرحت حين تذكرت كيف مات كما كان يشتهي.
أخي المختار: كنت في صفك تلك اللحظة لكنني ضعيف.
بقلم/ Mohammed Lemin Mahmoudi





